الماضي مرآة… والمستقبل طريق

عندما تقود السيارة، يكون معظم نظرك باتجاه الأمام.
تتابع الطريق، وتنتبه لما يقترب منك، وتختار اتجاهك. وبين لحظة وأخرى، تنظر إلى المرايا لتعرف ما يجري خلفك وحولك، وتتنبه إلى خطر قد لا تراه أمامك.
المرايا تساعدك على القيادة، لكنك لو أبقيت نظرك عليها، ستفقد متابعة الطريق الذي تسير فيه، وقد تتعرض لحادث.
أرى أن علاقتنا بالماضي تشبه ذلك كثيرًا.
لكل منا مواقف يتمنى لو تصرف فيها بشكل مختلف، وقرارات اكتشف لاحقًا أنها لم تكن مناسبة، وفرص لم يستثمرها في وقتها. نستطيع العودة إليها، ومراجعتها، وفهم ما حدث. هذه المراجعة مفيدة حين تساعدنا على اتخاذ قرار أفضل اليوم.
لكن أحيانًا نطيل النظرة إلى المرآة.
نستعيد الموقف نفسه، ونكرر السؤال نفسه: لماذا فعلت ذلك؟ لماذا لم أنتبه؟ ماذا لو اخترت طريقًا آخر؟ ومع كثرة الرجوع، قد ننشغل بما انتهى إلى درجة لا نرى معها ما يزال متاحًا أمامنا.
هنا يأتي معنى التفاؤل بالنسبة لي.
أن أتذكر أن أمامي طريقًا أستطيع السير فيه، حتى بعد تعثر أو خسارة. أن أستفيد مما حدث، وأمنح نفسي فرصة لاتخاذ خطوة جديدة، دون أن أشترط أن يكون كل شيء مضمونًا.
قد يحتاج بعض ما مضى إلى اعتذار، أو إصلاح، أو وقت حتى يخف أثره. وهذه أيضًا خطوات إلى الأمام. فالتقدم لا يعني ترك الأمور معلقة؛ يمكن أن يبدأ بتحمل مسؤولية خطأ قديم ومعالجة ما نستطيع معالجته.
وحين يعود موقف مؤلم إلى ذهني، أجد سؤالين أكثر فائدة من تكرار اللوم:
ماذا تعلمت مما حدث؟ وما الذي أستطيع فعله الآن؟
ربما تعلمت أن أتأنى قبل أن أتخذ قراراً ، أو أن أطلب المشورة، أو أن أضع حدودًا أوضح.
وربما تكون الخطوة التالية صغيرة: اتصال، أو محاولة جديدة، أو إكمال عمل توقفت عنه.
المهم أن تتحول المعرفة التي حصلت عليها من الماضي إلى فعل في الحاضر.
سأظل أحتاج المرايا طوال الطريق. أرجع إليها لأنتبه، وأتعلم، وأصحح اتجاهي، ثم أعيد نظري إلى الأمام.
فالماضي جزء من رحلتي، وأمامي جزء آخر لم أعشه بعد.